رواد الثقافةالمستعصون على الرحيل: هل حقا رحل عبدالله العقيل

رحل قبل أمس الأستاذ عبدالله العقيل، رحل وكصاحب كل رسالة، رحل وما رحل.

 

عرفت جرير وأنا طالب في الجامعة شارعا ثقافيا ينافس شارع المتنبي في مدينة الرياض الذي كان شارعا تجاريا للملابس الاجنبية. وكأن جرير يزيد تمكسنا بثقافتنا والمتنبي يجردنا منها. وعرفت جرير شاعرا يعلمنا شعره والدي رحمه الله الذي درّس البلاغة في بداية حياته العملية، وقد كان معجبا به لجزالة شعره، ويراه أشعر من صاحبه الفرزدق، ويذكرنا بالسجال بينهما، وكيف رثى جرير الفرزدق أجمل الرثاء بعد وفاته.

 

ثم عرفت مكتبة جرير مهتمة بالأثاث المكتبي والقرطاسية أكثر من اهتمامها بالكتب، ولكنها تميزت في أمرين:

    • الأول: المناهج الجامعية الاضافية باللغة الانجليزية وليس مجرد المقررات. فكنت أذهب لها للقراءة في المواضيع التي تعجز المناهج أن توضحها لي بشكل مبسط

    • والثاني: للمجلات المتخصصة باللغة الإنجليزية مثل بي سي ماجازين و بايت

كلفني هذا الخروج عن النص (المناهج) شيئا من الدرجات الاكاديمية، لأني كنت احل المشاكل بطرق غير تقليدية، لكنه أكسبني معرفة أوسع بمجال التخصص، وطرق حل المشكلات، فتألمت ولكني لم أندم.

 

ثم بدأت مكتبة جرير شيئا فشيئا تتحول لمكتبة اكثر من قرطاسية او أثاث مكتبي حتى أصبحت الكتب تمثل ٥٠٪ من مكتباتها، وتشغل عادة الدور الثاني منها. وهنا بدأت حركة النشر العربية لديهم والتي وإن دخلوا فيها متأخرين عن غيرهم، سواء دور النشر المصرية، أو اللبنانية أو السورية او السعودية إلا أنهم نافسوا وتفوقوا كما وكيفا، واتجهوا لمجالات جديدة مطلوبة في الإدارة وتطوير الذات وسوق عمل المستقبل وتخصصاته وليس مجرد التخصصات الاجتماعية أو الفلسفية فحسب.

 

يحسب لهم أيضا تركيزهم على الترجمة، لينقلوا لنا بلغتنا علوم العالم لا الاكتفاء بالنشر لمؤلفين عرب أو كتبا كلاسيكية، ولا ترجمة الروايات التي ركزت عليها دور النشر في الشام ،ولا السياسية التي ركزت عليها دور النشر العربية في بريطانيا. وفجأة ظهر شعار “ليست مجرد مكتبة” والشعارات بالغة الاهمية والخطورة. مهمة لأنها توحد الفهم لدى العميل والاتجاه لدى الفريق، وخطيرة لأن الجميع أصبح يفهم رسالتك ويتطلع أن تكون صادقا وأمينا معها ولها.

 

وهنا جاءت مرحلة التحول المعرفي الذي يجمع بين التقليدي والرقمي. مع اضمحلال الاعلام التقليدي الغت جرير قسم المجلات الورقية واستبدلته بقسم كبير للإلكترونيات، ليصبح النشر يشغل 50٪ من مساحة مكتباتها، والكترونيات٣٠٪ و ١٥٪القرطاسية و ٥٪للالعاب التعليمية. وهو تقسيم بمكتباتها وليس العائدات المالية، التي أتوقع أن اغلبها من الالكترونيات وعقود القرطاسية مع قطاع الاعمال.

 

اصبحت زيارة مكتبة جرير أسبوعيا عادة ومتعة ورثتها عن والدي الذي اعتاد زيارة مكتبة العبيكان كل جمعة، مكتبة العبيكان التي قادت النشر السعودي ثم تراجعت عنه وأغلقت جميع فروعها، وأبقت النشر محافظة على إرث لا نموا ولا توسعا.

 

قمت بعمل احصائية لما اشتريته خلال السنتين الأخيرة، فوجدت ان ما يقارب ٧٠٪ من إصدارات جرير أو من مكتباتها، وان قراءتي العربية ازدادت بفضل الله ثم بفضل ترجمتهم التي اغنتنا عن قراءة الكتب الانجليزية لعدم توفر العربي منها. لقد أثرت جرير الثقافة العربية ثراء مميزا، أحدث نقلة في مجالات علوم المستقبل ولا زالوا

 

قد لا اكون اعرف الشيخ العقيل شخصيا، لكنني اعرفهم ثقافيا وعائلة العقيل، والدهم وأبناءه اثرهم فينا وعلة المشهد الثقافي السعودي كبير:

    • سواء في الاعتزاز باللغة والثقافة من الاسم العربي لإمبراطوريتهم التجارية التي لم يروا أن أسما عربي كجرير يضرها أو يحد منها، ولم يروا رورة لاختيار أسم غربي جذاب رنان، ولا لملايين لتطوير شعار وهوية.

    • قطاع الاعمال والريادة فقد علمنا الطموح والمنافسة حتى اصبحت مكتبة جرير تُطلب ويحتفى بفروعها من الدول المختلفة لما تقدمه من #تجربة مميزة. فهي كالمكتبات الغربية اتاحت الجلوس والقراءة فيها، وبنت مجمعات تحرص أن تحوي مقاهي وهي الوجه الاخر للثقافة.
    • قطاع الثقافة حيث أصبحت مكتبة جرير ايقونة ومرجعا، فقد اصبح ركن أكثر الكتب مبيعا باللغتين مما احرص على زيارته وتصويره ونشره احيانا فهو مقياس نتابعه تنشره النيويورك تايمز للكتب الغربية ونفتقده عربيا
    • أو في قطاع العمل الخيري الذي عرفته بعد رحيله رحمه الله، وخاصة عمارة وصيانه المساجد ويبدو انه اهتم بدور العبادة في المساجد ودور العلم في مكتباته

متأكد أن ما أعرفه عنه قطرة في بحر، ولكن الله نسأل أن يبني له بيوتا في الجنة كما بنى بيوتا لله في الدنيا وفي عقولنا معرفيا

 

                                                                                 فهل حقا رحل؟!

 

                                                                                                                 سامي بن عمر الحصيّن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *